ابن كثير
177
البداية والنهاية
والمقصود أن عيسى ينزل على المنارة الشرقية بدمشق ، والبلد محصور محصن من الدجال ، فينزل على المنارة - وهي هذه المنارة المبنية في زماننا من أموال النصارى ( 1 ) - ثم يكون نزول عيسى حتفا لهم وهلاكا ودمارا عليهم ، ينزل بين ملكين واضعا يديه على مناكبهما ، وعليه مهروذتان ، وفي رواية ممصرنان ( 2 ) يقطر رأسه ماء كأنما خرج من ديماس ، وذلك وقت الفجر ، فينزل على المنارة وقد أقيمت الصلاة ، وهذا إنما يكون في المسجد الأعظم بدمشق ، وهو هذا الجامع . وما وقع في صحيح مسلم من رواية النواس بن سمعان الكلابي : فينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق ، كأنه والله أعلم مروي بالمعنى بحسب ما فهمه الراوي ، وإنما هو ينزل على المنارة الشرقية بدمشق ، وقد أخبرت ولم أقف عليه إلى الآن أنه كذلك ، في بعض ألفاظ هذا الحديث ، في بعض المصنفات ، والله المسؤول المأمول أن يوفقني فيوقفني على هذه اللفظة ، وليس في البلد منارة تعرف بالشرقية سوى هذه ، وهي بيضاء بنفسها ، ولا يعرف في بلاد الشام منارة أحسن منها ، ولا أبهى ولا أعلى منها ، ولله الحمد والمنة . قلت : نزول عيسى على المنارة التي بالجامع الأموي غير مستنكر ، وذلك أن البلاء بالدجال يكون قد عم فينحصر الناس داخل البلد ، ويحصرهم الدجال بها ، ولا يتخلف أحد عن دخول البلد إلا أن يكون متبعا للدجال ، أو مأسورا معه ، فإن دمشق في آخر الزمان تكون معقل المسلمين وحصنهم من الدجال ، فإذا كان الامر كذلك فمن يصلي خارج البلد ، والمسلمون كلهم داخل البلد ، وعيسى إنما ينزل وقد أقيمت الصلاة فيصلي مع المسلمين ، ثم يأخذهم ويطلب الدجال ليقتله ، وبعض العوام يقول : إن المراد بالمنارة الشرقية بدمشق ، منارة مسجد بلاشو ، خارج باب شرقي . وبعضهم يقول : المنارة التي على نفس باب شرقي . فالله أعلم بمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو سبحانه العالم بكل شئ ، المحيط بكل شئ ، القادر على كل شئ ، القاهر فوق كل شئ ، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض . الكلام على ما يتعلق برأس يحيى بن زكريا عليهما السلام وروى ابن عساكر عن زيد بن واقد قال : وكلني الوليد على العمال في بناء جامع دمشق ، فوجدنا مغارة فعرفنا الوليد ذلك ، فلما كان الليل وافانا وبين يديه الشمع ، فنزل فإذا هي كنيسة
--> ( 1 ) تقدم انها بنيت بعد الحريق الذي أصاب الجامع والبناء بأكمله سنة 461 ه . ( 2 ) مهروذتان : وتروى مهرودتان والوجهان مشهوران . ومعناها : ثوبين مصبوغين بورس ثم بزعفران . وقيل هما شقتان والشقة نصف الملاءة . وممصرتان : الثياب التي فيها صفرة خفيفة .